Search
  • Khalid Albudoor

بطي بن بشر قبل وفاته: زايد كان يعرف معادن الرجال

إعداد: حسين البادي - المصدر : صحيفة الخليج


بطي بن بشر يحتضن الشيخ زايد رحمه الله


وكان لنا مع المرحوم بطي بن بشر قبل وفاته لقاء تحدث فيه عن تاريخ حياته. يقول أبو راشد عن نفسه: أنا بطي بن حميد بن راشد بن مصبح بن بشر المري الياسي، من مواليد 21 محرم 1360ه الموافق 18 مايو/ أيار 1941 ميلادية، وأنا أخو علي بن محمد بو جسيم المري من الأم وأبناء عمتي هم الدكتور خليفة وخالد محمد أحمد بن سليمان آل مالك. والدي حميد بن بشر ممن عاصر ورافق الشيخ سعيد بن مكتوم وتوفي في بدايات الحرب العالمية الثانية في العام 1945 ميلادية، وكان قبل وفاته مديراً لجمارك دبي من العام 1939 ميلادية إلى العام 1944 ميلادية.

جدي راشد بن مصبح كان صديقاً ومرافقاً وملازماً للشيخ بطي بن سهيل حاكم دبي (1906-1912)، ومن بعده كان مع خلفه الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي الأسبق (1912-1958) وكان أحد المصلحين والمحكمين في حل النزاعات التي كانت تحدث بين الجماعات المختلفة في المنطقة والتي كان غالباً ما تحدث بسبب المراعي وحرم القبائل أو في مواسم الغوص، أو بسبب أعمال السلب والنهب وقطع الطرق التي يقوم بها بعض الأفراد من شذاذ الآفاق وتصل إلى القبيلة والإمارة بعد ذلك وينشغل بها العقلاء والمسالمون، وكان عند كل شيخ وحاكم بعض الرجال المخضرمين وذوي الألباب والنهى ممن لهم الحنكة والحكمة وحسن التصرف والتدبير والساسة المحنكين فيبعث بهم الشيوخ والحكام لحل تلك الخلافات، وتكون سفراتهم في الأغلب ناجحة ومن هؤلاء الرجال كان جدي راشد بن مصبح بن بشر .

وجدي بشر المري له موقع ومكان يعرف باسمه وهو دوغة بشر والتي تقع على ساحل أبوظبي قرب منطقتي حصيان وغناضة والدوغة منطقة ساحلية تتشكل بفعل التيارات البحرية وتكون على شكل دائرة مفتوحة جهة البحر وهي صغيرة الحجم والكبرة تسمى دوحة .


مساهمة في مسيرة التعليم


حرص آباؤنا على تعليمنا التعليم الديني عن طريق الكتاتيب والمطاوعة كما حرصوا رحمهم الله على تلقينا التعليم النظامي بعد أن فتحت أبواب المدارس من جديد في بداية الخمسينيات حتى عام ،1956 حيث جاء التعليم النظامي عن طريق بعثة دولة الكويت التي انطلقت بالتعليم النظامي من إمارة الشارقة بعد سنوات 53 أو 54 كما أعرف، وعندما كنا صغاراً لم نكتف بما يعلمنا المطوع والشيخ في الكتّاب من قراءة وكتابة وتجويد، حيث لم يكن التعليم يزيد على هذه العلوم الأولية والأساسية للطلاب قديما حتى أتى التعليم النظامي ومن ثم تطور في عصر قيام الدولة.

عندما كنا صغاراً لم نكن نكتفي بما يعلمه لنا المطوع أو شيخ الدين، بل كنا نقصد كل من نعرف بأنه يعلم علماً من العلوم آنذاك مثل علم الحساب من جمع وطرح واللغة العربية والإنجليزية وحتى الفارسية تعلمناها والأوردو من شغفنا بالعلم، وأذكر أننا كنا نقصد متجر المرحوم حسن بن علي القاسمي الذي كان في بيت المرحوم راشد بن دلموك في منطقة الرأس وكان ضليعا في النحو والإعراب يعلمنا ولا يبخل علينا بوقته وكان من بيت علم ورثوا العلم كابراً عن كابر فقد كان والده شيخ علم وكذلك جده إضافة إلى كونهم تجاراً لهم محالهم وتجارتهم.

ويا سبحان الله تشاء الأقدار أن يصبح ابنه حنيف حسن وزيراً للتعليم، وعليه هنا ثقل كبير وأمانة حملها على عاتقه وهي التأسيس لتعليم راقٍ وموجه ورفيع للأجيال القادمة من أبناء هذا الوطن، الذي شارك فيه الحاكم والمحكومون وجميع طبقات المجتمع رجالاً ونساء وشباباً وكهولاً، وهم وضعوا أساساته وعلينا أن نكمل ما أسسوا له وبنوه وكذلك كل مسؤول على عاتقه مسؤولية وكلٌ في منصبه ومن موقعه.

وأنا من خلال عملي فترة مع المرحوم الشيخ حمدان بن محمد آل نهيان الذي شغل منصب مدير المعارف في أبوظبي أعرف وأقدر الصعوبات التي تعترض مسيرة التعليم، لأن التعليم أسلوب ومقومات ومعلم وطلاب وخدمات ومبان ووسائل، والمعادلة طويلة وصعبة وتحتاج مراحل طويلة وممتدة لجيل أو جيلين على الأقل، وإنجاز كل مرحلة تحتاج عمر إنسان حتى نصل إلى المستوى المنشود، وكلما تطورنا في التعليم في الدولة نجد أن العلم تطور في العالم، وكذلك في المجالات الأخرى.

علينا اللحاق بركب الحضارة حتى لا نكون في أواخر الأمم والشعوب، وتحركات الوزير والمسؤولين في الوزارة وكذلك وزير التعليم العالي الشيخ نهيان بن مبارك، وكافة القائمين على التعليم في الدولة تبشر بالخير وخاصة تواصلهم مع العالم المتطور ومواكبتهم كل جديد وحديث في العالم، وعلينا في هذا السباق العالمي أن نحافظ على هويتنا العربية والإسلامية وأن لا نتجنى على ديننا وقيمنا وهويتنا ولغتنا العربية على حساب مسائل أخرى، ويمكننا أن نتطور وأن ننافس ونحن محافظين على هويتنا الوطنية والقومية .


سبب تسمية أبوظبي


ومما سمعته عن سبب تسمية أبوظبي بهذه التسمية من كبار السن من أهل أبوظبي من بني ياس، والكثير من هؤلاء الرجال انتقلوا إلى رحمة الله تعالى، حيث ذكر لي أكثر من شخص أن جزيرة أبوظبي العاصمة كان أسمها (مليح) وكان لها طريقان، الأول يتم ارتياده في حالة المطر والثاني في حالة الثِبَر أو (الجَزْر) فكان الناس إذا قدموا منطقة (الحد) يرتادون أحد هذين الطريقين ويشار إليهما باسم طروق الحد وهو الذي يوصلهم إلى البطين وطروق مليح وهو الذي يوصلهم للجزيرة.

وعن سبب التسمية كانوا يقولون إنه في إحدى الأيام ذهبت مجموعة من بني ياس إلى الجزيرة فانعزل أحدهم عن المجموعة ورفاقه، وأخذ يطارد ظبياً، حيث كانت الجزيرة معروفة بكثرة الظباء، ولما أمسك به قرب إحدى الآبار قام بذبحه وشوائه وأكله، ومن المعروف أن أكل لحم الظباء يُعَطِّش فأخذ يأكل من لحم الظبي ويصيبه العطش فيشرب الماء وهكذا حتى أصابته التخمة ومات في مكانه ولم يعثر عليه صحبه إلا بعد خمسة أيام، حيث وجدوه منتفخاً وأمامه ما تبقى من الظبي وعظامه، فقاموا بدفنه قرب البئر في الموضع الذي عثروا عليه فيه وعرف هذا البئر بطوي بوظبي ومن ثم غلب الاسم على جزيرة مليح.

وبعد ذلك تعارف الناس على قولهم عند سلوكهم الطريقين بأنه يسلكون طروق الحد أو طروق بوظبي إشارة إلى الطريق الآخذ إلى جهة موضع حادثة وقبر الرجل صاحب القصة مع الظبي، أو الطريق الآخر جهة الحد الذي يأخذهم إلى منطقة البطين، حيث كانت جزيرة أبوظبي تعرف سابقاً بأسماء الحد والبطين ومليح وهي ثلاث مواضع فالبطين تقع ضمن صحراء الظفرة والحد هي المنطقة التي بين البطين وموضع جزيرة مليح، ومليح هي الجزيرة التي عرفت فيما بعد باسم أبوظبي .

وقد أخبرني أكثر من شخص من كبار السن والمعمرين من أهل أبوظبي من بني ياس بأن جزيرة أبوظبي كانت معروفة عند الأقدمين ولهذا سموها بمليح وليس صحيحاً قول البعض إنها كانت غير معروفة إلى حين سكنها من قبل بعض الأفراد من قبيلة بني ياس عام 1761 ميلادية، بل هي أقدم من هذا التاريخ، وكان أهل المنطقة يأخذون منها الملح، حيث كان الملح يتجمع على مساحات شاسعة من الجزيرة وكان السابقون يقومون بجمعه على شكل تلال ومن ثم يقومون بتعبئته وتحميله على ظهور الجمال إلى حيث يباع على البدو وأهل المدن والقرى المجاورة والداخلية في ليوا والبريمي.

وكان بنو ياس موجودين في العديد من الجزر مثل جزيرة دلما وجزيرة صير بني ياس التي هي الموطن الأول والأقدم لقبيلة بني ياس وآل بو فلاح على ساحل البحر، حيث كان بنو ياس ينقسمون إلى قسمين، قسم يعيش على السواحل والجزر وقسم يعيش في المناطق الداخلية للظفرة وهي ليوا والبريمي، وكان آل بو فلاح حكام القبيلة وكانوا ينقسمون إلى فخذين رئيسيين هما آل محمد وآل سعدون، آل محمد هم أهل بحر ولهم فروع كثيرة في أبوظبي ودبي والجزر السعودية وسواحل فارس والبحرين وقطر، وآل سعدون هم بدو أهل بر ومنهم ينحدر آل نهيان المعروفون سابقاً بآل ياسر أو بني ياس بن عامر، وقد تسمت الأسرة الحاكمة بآل نهيان منذ العام 1964 من عهد الشيخ شخبوط بن سلطان .


حكاية البدوي مع الشيخ مانع بن راشد


حدث أن سلبت بعض إبل الشيخ مانع بن راشد (وخيذ) أثناء ما كانت ترعى في أطراف دبي ولم يعرف من السارق، وفي إحدى رحلات الشيخ مانع للقنص انقطع بهم الطريق وحل عليهم الظلام فمروا على خيمة لرجل بدوي يعيش وحده في الصحراء ونزلوا عليه ضيوفاً وأكرم وفادتهم وذبح لهم وأكرمهم وصلّوا عنده المغرب والعشاء، ولما أرادوا الانصراف قال له بعض صحب الشيخ مانع: هذا الشيخ مانع بن راشد بن مكتوم من شيوخ دبي وإن جئت دبي فزره في مجلسه، ولما سمع البدوي اسم الشيخ مانع اضطرب واهتزت فرائصه ووقع على يد الشيخ مانع يقبلها ويطلب السماح منه والعفو، فتعجب القوم، فقال البدوي سامحني يا طويل العمر فأنا "وخيذك" فأنا الذي أخذت إبلك الربيع الماضي، وما فعل البدوي هذه الفعلة إلا لهيبة الشيخ مانع واعتقاده بأنه جاء بحثاً عن السارق، فقال له الشيخ مانع هون عليك، وما فعلته لنا وإكرامك لنا دون علمك بنا يكفينا فأما النوق وما ولدت فهي لك، وحلال عليك ما أكلت وشربت منها، فقام البدوي بربط خطام الإبل بعضها ببعض وقال للشيخ مانع: أشكرك على إحلالك لذمتي وصفحك عني وحلمك علي، وإنني أعاهد الله وأعاهدكم على أن لا أعود للسلب والنهب بعد اليوم فأنا تائب على يديك، وهذا "وخيذكم" رد إليكم، فقام الشيخ مانع بفك خطام النوق وقال للبدوي هي لك وحلال عليك إلى يوم القيامة .


حلم ومشروع جبل علي


كنت كلما أمر على الطريق الساحلي المؤدي بين دبي وأبوظبي في مطلع السبعينيات من القرن الماضي وعند الموضع المعروف بالجبيل وهو تصغير جبل والمعروفة حالياً بمنطقة جبل علي، كنت أشاهد المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي جالساً على كثيب رملي ما ويتأمل في البحر، وكنت أنزل من سيارتي الجيب وأسلم عليه ويسألني عن أخباري، ولم أكن أعرف أو يعرف غيري ما كان يدور في خلده رحمه الله، وبعد مدة سمعت وسمع الناس عن مشروع ميناء جبل علي العملاق الذي كان له الأثر الكبير في نقل دبي من عصر إلى عصر سبق الجميع إليه بعقليته الكبيرة وبعد نظره الثاقب وتنفيذه لأكبر وأفضل المشروعات التأسيسية والتنموية .

لقد كان الشيخ راشد أصيلاً وذكياً لأعلى الحدود، وكنا نحمد الله أنه لم يكن جامعياً حيث كنا نقول إنه لم يدخل المدارس ولم يتعلم في الجامعات وهذه طموحاته وأفكاره التي سبقت عصره فماذا كان سيفعل لو كان متعلما وخريج إحدى الجامعات، أكيد أنه كان سيهلكنا من العمل والحركة الدؤوبة لأنه لم يكن متعلماً جامعياً وكان يبرز أفضل المشروعات وأكثرها نفعاً وفائدة والتي يخططها وينفذها بنفسه ويتابعها ويقف عليها طوال ساعات اليوم وأيام الأسبوع حتى في إجازاته كان لا يمل ولا يكل عن التخطيط والتفقد والمرور على المشروعات .

وجه المرحوم بطي بن بشر إليّ حديثه خلال لقائي قائلاً: ليتك يا حسين لحقت على ثلاثة أشخاص لو أنك لحقت على أحدهم لحصلت على كنز ثمين وسِفر عظيم، وذلك لما كانوا يمتلكون من معلومات وقصص وأحداث وأشعار من الأقدمين وصلت إليهم من العديد من المصادر ت التي عاصروها وعايشوا أيامهم، وكم كنت أتمنى لو كان لدي بعض من الاهتمام وقمت بتسجيل أحاديث هؤلاء النفر من رجالنا وأساطيننا الفكرية الذين بموتهم انطوت الآلاف من صفحات تاريخنا القديم وأمتنا، حيث إن علم أولئك لم يقتصر على تاريخ المنطقة بل تعداه إلى الخليج والجزيرة العربية وعلوم الآخرين والأمم البائدة، وكنت أعجب كثيراً من مصادر علوم هؤلاء ولم يكن في زمانهم مكتبات ولا صحب ولا مذياع ولا تلفاز، وأولئك هم: المرحوم الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان (1928-1966)، والمرحوم الشيخ سلطان بن سالم القاسمي حاكم الشارقة (1919- 1948): والمرحوم أحمد بن مصبح بن حمودة بن زعل السويدي أخو سالم بن مصبح، وأنا استفدت كثيراً من هؤلاء حيث جالستهم وسألتهم عن الكثير من الأمور وأخبروني عن امور لم أسألهم عنها ولم أسمعها من غيرهم، وكان هؤلاء ممن سمع عن كبار السن وحفظ وكانوا من الثقاة والعارفين بالأخبار والأحداث التي شهدتها المنطقة وترجع معلوماتهم إلى أكثر من ثلاثمئة سنة مضت وليتك بكرت في جمعك للتاريخ وأدركت هؤلاء وأمثالهم من العارفين بالتاريخ القديم للمنطقة.


ما هي حكاية حصاة الوسوم؟


أخبرني عن حصاة الوسوم المرحوم الشيخ سلطان بن سالم القاسمي حاكم رأس الخيمة في ذلك الوقت، وهو عم المغفور له بإذن الله الشيخ صقر بن محمد القاسمي، والشيخ سلطان بن سالم كما أخبرتك سابقاً كان من أكثر أهل زمانه بالعلوم والتواريخ وملماً بالأحداث التاريخية التي شهدتها المنطقة منذ عشرات بل مئات السنين، وذلك بفضل سعة علمه واطلاعه وسؤاله للأولين عن تلك العلوم والأخبار.

في أحد الأيام وبينما كنت أزوره في منزله في دبي، تجاذبت معه أحاديث كثيرة واخبرني من ضمنها عن هذه الحصاة وأرشدني إلى موقعها وزرتها ورأيتها بأم عيني، وكانت موجودة عند مشارف ومدخل مدينة رأس الخيمة القديمة، وقد وضع عليها الشاعر ابن ظاهر بأمر من الشيخ سلطان بن صقر القاسمي الكبير المتوفى عام 1866 ميلادية، رسوماً لوسم كافة قبائل المنطقة التي توضع على جمالهم وذلك لتمييز الجمال التابعة للقبائل المعروفة والموالية لحاكم رأس الخيمة من تلك الغريبة والمجهولة، وكان من يحضر للمنطقة يجب عليه الوقوف بالقرب من هذه الصخرة لمضاهاة الوسم الذي على ناقته بالرسوم التي على الصخرة وبعد ذلك يسمح له بالدخول أو الانتظار وأخذ الأمر من الشيوخ، وفي الليل يقوم الحرس بإيقاف الراغبين بدخول المدينة والنظر إلى الوسم الذي على ناقته فإن كان الوسم مرسوماً وموجوداً على الحصاة يسمح له بالدخول وإن لم يكن موجوداً لا يسمح له بدخول المنطقة حتى الصباح حيث يقوم بطلب من يعرفه من أهل المدينة أو زائريها المعروفين، وكان الشيخ سلطان بن سالم القاسمي يجلس ويبرز عند هذه الحصاة أيام فترة حكمه وكان يشير إليها دائماً في أحاديثه .


اللقاء بالشيخ زايد والمسيرة الحافلة بقربه


بطي بن بشر الأول من اليمين يرزف في العيالة بصحبة الشيخ زايد رحمه رالله


تعرفت إلى الشيخ زايد، طيب الله ثراه، عن قرب أيام وجودي معه في مدينة العين حيث عملت مديراً لفرع بنك عمان في مدينة العين وهناك كنت أمر على الشيخ زايد يومياً في فترة العصر وبعد المغرب والعشاء، وكان رحمه الله لا يكل ولا يمل، فتراه منذ الفجر جالساً ينتظر إقامة صلاة الصبح وبعد أن يصليها يتوجه إلى مجلسه أمام بيته المعروف هناك، وكان قبلها يبرز أمام المربعة التي وسط السوق القديم، ومع بداية بزوغ شمس كل يوم تجده جالساً في مجلسه يحيط به ربعه وأصحابه المقربون ومن ثم يتوافد إليه الوافدون إلى مدينة العين للسلام عليه وطلب حاجاتهم منه.

وبعد تناوله القهوة والريوق (الإفطار) يتحرك مع بعض ربعه في سيارته ويمر على مواقع معينة يريد استطلاعها ومعرفة المعلومات عنها عن قرب لحاجة في نفسه يجهلها أكثر من يحيط به، وفي الطريق كان رحمه الله يفصح عن بعضها بسؤال أشخاص معينين من صحبه عنها أو يطلب المرور على شخص معين ليصحبهم في جولتهم تلك ومقصدهم لكونه أكثر العالمين عن تلك المنطقة المراد زيارتها، فقد كان رحمه الله يعرف الرجال ويعرف قدرة كل واحد منهم ويعطيه من الحجم ما يستحقه ويوكل إليهم المهم كلٌ وقدراته وملكاته، وكان هذا سر نجاحه وتوفقه في اختيار الرجال والمحيطين به من رجال القبائل وكبار المسؤولين، وكل يتفطن بمعدن كل رجل من أول مرة يراه ويقابله فيها ويستمع إلى حديثه، ألم يقولوا: المرء مخبوء تحت لسانه، فقد كان رحمه الله يعرف الرجل من كلامه ومنطقه وكيف يتكلم ويزن كلامه قبل أن يتكلم به .


وأشرقت شمس أبوظبي


وفي السادس من أغسطس عام 1966 ميلادية تقلد الشيخ زايد، رحمة الله عليه، مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي فأخذني معه إلى أبوظبي وجعلني بقربه وأعطاني ثقته الغالية، وقد تدرجت في عدة مناصب إدارية منها مساعد للشيخ حمدان بن محمد آل نهيان رحمه الله في شؤون التعليم وكذلك في شؤون التخطيط حتى أصبحت سكرتيراً خاصاً للشيخ زايد رحمه الله، ولازمته في حله وترحاله، ورافقته في سفراته الخاصة وزياراته الرسمية وغير الرسمية إلى الخارج.

وتختزل ذاكرتي الكثير من تلك الذكريات الجميلة التي لا تسعها مجلدات في سردها وتدوينها، وقد شهدت معه رحمه الله وضع بواكير خططه لتطوير مدينة أبوظبي التي حولها من مدينة تنتشر فيها بيوت السعف ولا يوجد فيها طريق غير طريق رملي واحد يشق أبوظبي من المقطع إلى الحصن فجلب لها الخبراء وشركات التطوير والتعمير فوضعوا اللمسات الخاصة بتطوير المدينة تحت نظره وتجد لمساته وبصماته في كل شبر من أرض أبوظبي.

كان رحمه الله يشاور ولا يفرض رأيه على أحد، وكان الخبراء يستفيدون كثيراً من رأيه ويعترفون كثيراً بصحة رأيه وخطئهم، ويقولون هو ابن البيئة وابن الصحراء والأعلم بها وما نحن سوى خبراء ننتمي لأرض ومواقع غير هذه الأرض، حتى في البنيان شهدنا كيف كان يطلب زيادة كمية الإسمنت هنا والحديد هناك أو بالعكس ويقول رأيه بأن هذه المنطقة قريبة للبحر وتلك بعيد وهذه المنطقة ستشهد ضغطاً أكثر وتلك لا وكان المهندسون والخبراء يسألوننا أحياناً كثيرة من أين يأتي الشيخ زايد بملاحظاته وآرائه هذه هل يوجد خبراء غيرنا في أبوظبي أم سبق أن جلبتم غيرنا؟ فنرد عليهم لا، لا يوجد خبراء غيركم بل الشيخ زايد يخبركم بما في نفسه من علومه وملاحظاته الخاصة ولو أنكم سألتم عن تاريخه لوجدتم كيف حول مدينة العين من صحراء فيها بعض الرقع الخضراء إلى واحة غناء فيها الأفلاج والعيون والزرع من كل لون وشكل، فستعرفون كيف يفكر هذا الرجل وكيف يبدي آراءه وملاحظاته، فيكبر الشيخ زايد في أعين هؤلاء الخبراء والمهندسين ويزاد تعلقهم به وحبهم للعمل معه لرجاحة عقله وسداد رأيه وصوابه . وقد شهدت عن قرب إرهاصات قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تقف شامخة في وجه التاريخ لتقول للعالم أنا دولة أسسها رجال عظام أمثال الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وإخوانهما حكام الإمارات الأوائل، رحم الله الماضين منهم وحفظ الباقين وطرح البركة في خلفائهم الحاضرين أطال الله في أعمارهم وجعلهم ذخيرة لنا وللأمة العربية والعالم، وأنت ترى كل يوم تزداد شهرة الدولة وتراها تتبوأ أعلى المنصات في المحافل الدولة وتحصد أكبر الجوائز والألقاب ووسط كل هذا تتراءى لك ملامح وجه الشيخ زايد الذي عم خيره كل أرجاء البلاد والعباد حتى جعلنا دولة يحسدنا البعض ويغبطنا البعض ويتمنى الكثير أن يصبح مثلنا.

1 view

© 2020 by Khalid Albudoor. Proudly created with Wix.com